فوزي آل سيف

79

فقه العلاقات الاجتماعية

تُبْصِرُونَ) [236] . كما استعملها القرآن في السكن بالمعنى المادي كما هو ظاهر الآية ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً )[237] .. غير أن أضلاع السكينة لا تكتمل بوجود الليل والمسكن ، وإنما لا بد لها من ( الأزواج ) وهي كلمة تصلح للطرفين ( الرجل والمرأة ) . ثم لم يكتف القرآن ببيان أن من غايات الزواج أن تحصل السكينة في حياة الزوجين ، بل يبين أن الله سبحانه قد ( جعل ) بين الزوجين مودة ورحمة .. فهل هذا جعل تكويني مباشر ، أو أنه ضمن معادلة القرب والأنس الحاصلة بين الزوجين ؟ ولا يختص هذا فقط بالمسلمين ، بل كان الجعل ( لكم ) للخلق كله . خصوصا مع ملاحظة أنه كان يتكلم عن البشر ( خلقكم من تراب فإذا أنتم بشر تنتشرون ) . ولكي يكتمل الحديث في هذه الآية المباركة التي تعتبر من مفاتيح فهم غايات الزواج ، ومقياسا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين ، نذكر ما قاله اثنان من المفسرين المعاصرين : فقد ذكر آية الله مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل ما يلي : الطريف هنا أن القرآن- في هذه الآية- جعل الهدف من الزواج الاطمئنان و السكن، و أبان مسائل كثيرة في تعبير غزير المعنى «لتسكنوا» كما ورد نظير هذا التعبير في سورة الأعراف الآية 189. و الحقّ أن وجود الأزواج مع هذه الخصائص للناس التي تعتبر أساس الاطمئنان في الحياة، هو أحد مواهب اللّه العظيمة. و هذا السكن أو الاطمئنان ينشأ من أن هذين الجنسين يكمل بعضهما بعضاً، و كل منهما أساس النشاط و النماء لصاحبه، بحيث يعد كل منهما ناقصا بغير صاحبه، فمن الطبيعي أن تكون بين الزوجين مثل هذه الجاذبيّة القوية. و من هنا يمكن الاستنتاج بأنّ الذين يهملون هذه السنة الإلهية وجودهم ناقص، لأنّ مرحلة تكاملية منهم متوقفة، (إلا أن توجب الظروف الخاصة و الضرورة في بقائهم عزّاباً). و على كل حال، فإنّ هذا الاطمئنان أو السكن يكون من عدّة جهات «جسميا و روحيّا و فرديا و اجتماعيّا». و لا يمكن إنكار الأمراض التي تصيب الجسم في حالة عدم الزواج، و كذلك عدم التعادل الروحي و الاضطراب النفسي عند غير المتزوجين... ويكمل قائلا : وأمّا مسألة «المودة و الرحمة» فهما في الحقيقة «ملاط» البناء في المجتمع الإنساني، لأنّ المجتمع يتكون من أفراد متفرقين كما أن البناء العظيم يتألف من عدد من الطابوق و «الآجر» أو الأحجار. فلو أن هؤلاء الأفراد المتفرقين اجتمعوا، أو أن تلك الأجزاء المتناثرة وصلت بعضها ببعض، لنشأ من ذلك المجتمع أو البناء حينئذ. فالذي خلق الإنسان للحياة الاجتماعية جعل في قلبه و روحه هذه الرابطة الضرورية. و الفرق بين «المودة» و «الرحمة» قد يعود إلى الجهات التالية: 1- المودة هي الباعثة على الارتباط في بداية الأمر بين الزوجين، و لكن في النهاية، و حين يضعف أحد الزوجين فلا يكون قادرا على الخدمة، تأخذ الرحمة مكان المودة و تحلّ محلها. 2- المودة تكون بين الكبار الذين يمكن تقديم الخدمة لهم، أمّا الأطفال و الصبيان الصغار، فإنهم يتربون في ظلّ الرحمة. 3- المودّة، غالباً ما يكون فيها «تقابل بين الطرفين»، فهي بمثابة الفعل ورد الفعل، غير أنّ الرحمة من جانب واحد لديه إيثار و عطف، لأنّه قد لا يحتاج إلى الخدمات المتقابلة أحيانا،

--> 236 ) القصص:72 237 ) النحل: من الآية80